أبي طالب المكي

26

علم القلوب

التي يطول بذكرها الكتاب ، فأحاديث النبي صلى اللّه عليه وسلم كشف أحكام هذه الآي كلها . وسئل سفيان بن عيينة عن قوله : السنة قاضية على الكتاب ، وليس الكتاب قاضيا على السنة ، [ ف ] قال : لأن السنة تفسير الكتاب ، وهي معنى الأمر والنهى ، كقوله تعالى : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً [ التوبة : 103 ] ، ثم بين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذلك المقدار المأخوذ منه ، فقال : « لا يؤخذ من أقل من خمسة أوسق ، وخمس ذود ، وخمس أواق » . وقال اللّه عز وجل : وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [ الحج : 29 ] ، فلم يسم سبعا ، ولا عشرا ، فطاف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سبعا ، كذلك الصلوات الخمس وجميع الفرائض . وقيل : السنة كانت تنزل على النبي صلى اللّه عليه وسلم كنزول القرآن ، وهو قوله : فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [ القيامة : 18 ] ، ودليل هذا من القرآن قوله جل ذكره مخاطبا لأزواج النبي صلى اللّه عليه وسلم : وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ [ وَالْحِكْمَةِ ] [ الأحزاب : 34 ] ، ويعنى القرآن ، ويعنى أحاديث النبي صلى اللّه عليه وسلم . وقال الشافعي ، رضى اللّه عنه : في حديث فاطمة بنت قيس ثلاثون فائدة ، لكل فائدة حكم متعلق بها ، وهي التي جاءت إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فزوجها « 1 » عمرو بن حفص ، ثم طلقها البتة وحفص غائب بالشام ، فأرسل إليها وكيله مثيعرة فسخطته ، فقال : واللّه ما لك عندنا شئ ، فجاءت النبي صلى اللّه عليه وسلم فذكرت ذلك ، فقال : « . . . ليس لك عليه نفقة » ، وأمر أن تعتد في بيت أم شريك ، ثم قال : « تلك امرأة تغشاها أصحابي ، فاعتدى عند ابن أم مكتوم ، فإنه رجل أعمى ، تضعين ثيابك حيث شئت ، فإذا حللت فآذيننى » ، فلما حلت ، ذكرت للنبي صلى اللّه عليه وسلم : أن معاوية ، وأبا جهم ، خطبانى ، فقال : « أما جهم ، فلا يضع عصاه عن عاتقه « 2 » ، وأما معاوية ، فصعلوك لا مال له ، فانكحى أسامة بن زيد » ، فكرهت [ ذلك ] ، ثم قال : « انكحى أسامة » ، فنكحته ، فجعل اللّه فيه خيرا ، وأغبطت به . فقد استنبط أهل الفقه من مقدار هذه الكلمات هذه الفوائد الكثيرة ، وقد ذكر

--> ( 1 ) في الأصل : فزوجها لها عمرو بن حفص . ( 2 ) أي أنه رجل شرير .